ساسي سالم الحاج

116

نقد الخطاب الاستشراقي

للمشكلة . لأن ما يعترى محمدا وما يشعر به لا يختلف عن تجارب أنبياء العهد القديم الذي يصرّحون « هكذا قال السيد المسيح . . . » ومع ذلك فإن تفسير الوحي المحمدي يحتاج إلى بيان وشرح إضافيين إلّا أنه يمكننا فهم القرآن باعتباره مجموعة أفكار قابلة للدراسة في إطارها الاجتماعي والتاريخي « 1 » . ويعود « وات » من جديد إلى قضية « الدثار » وهو يقول في هذا الصدد : « بالنسبة إلى المكي الذي يعيش في القرن السابع الميلادي ويعتقده مخلصا أنه رسول اللّه ومبعوث من قبل عنايته الربانية لهداية قومه باعتباره بشيرا ونذيرا هو أمر خارق للعادة مذهل ، وليس من الغرابة أن يخبرنا محمد بأنه قد شك في رسالته وخاف مما تراءى له في بداية أمره حتى أنزل اللّه عليه آياته بأنه لم يتركه أو يهمله . وكان خوفه يتجلى كأحد الساميين من إصابته من الجن أو الأرواح الشريرة ، وربما هذا الخوف هو الذي دعاه إلى التدثر لوقاية نفسه من هذه الأرواح . وربما استخدم الدثار لاستجلاب الوحي ، وعلى العموم فإن السبب الرئيس لشكه في دعوته عند بداية أمرها هو الصفة الخارقة لدعوته النبوية . ومن هنا كان لجوؤه إلى زوجته خديجة لتبديد هذا الشك ، واصطحابها له إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ليؤكد له صدق رسالته وليثبّت فؤاده ، بأن ما ينزل عليه مشابه للناموس الذي أنزل على موسى » « 2 » . وعندما يحلّل « وات » أصالة القرآن يرى أن هذا الكتاب انبثاق خلّاق في الوضع المكي . لأنه توجد في هذا المجتمع مشاكل تتطلب حلولا ، وأزمات تتطلب تخفيفا ، ومن المستحيل الانتقال من هذه المشاكل وتلك الأزمات إلى رسالة القرآن بالتفكير المنطقي . ولكن يمكن القول : إنه عندما تردّدت على مسامع محمد بعض الأفكار بالطرق العادية « كفكرة الحساب الأخير مثلا » أدرك أن هناك أجوبة عن هذه المشاكل ، وهكذا عن طريق نظام التجربة والخطأ أقام بالتدريج نظامه . ومما لا شك فيه أن رسالة القرآن تحل العديد من المشاكل الاجتماعية والأخلاقية والفكرية ، ولكن لا يأتي حلّها دفعة واحدة ولا بصورة بديهية . ولا يمكن الركون كذلك إلى تلك الآراء القائلة : إن محمدا قد وقع صدفة على أفكار كانت بمثابة المفتاح لحل المشاكل الأساسية في زمانه « 3 » .

--> ( 1 ) Watt ; Mahomet , op . cit , p . 18 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 22 . ( 3 ) مونتجمري وات ، محمد في مكة ، المرجع السابق ، ص 136 .